العسكر هم وجع مصر والعقبة الرئيسية أمام استكمال الثورة


أكرر التأكيد على هذا المعنى الرئيسى فى المقالات الأخيرة: العسكر هم وجع مصر الرئيسى والعقبة الرئيسية أمام استكمال الثورة. فالغابة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية تستهدف خلط الأمور وإرباك المواطن وإصابته بالدوار، وأخطر ما يهدد الثورة بل وحتى المسيرة المعتادة للمجتمعات هو فقدان الرؤية الصحيحة، وعدم إدراك من أين يأتى الخطر الرئيسى، وعدم الإمساك بالحلقة أو المهمة الرئيسية فى اللحظة المحددة. فالآن يتم إرباك الناس بالحديث عن الطرف الثالث أو الفلول أو الأصابع الأجنبية لإشغالها عن الخطر الرئيسى وهو حكم العسكر السافر أو المستتر.
المشكلة الرئيسية التى تعرقل الثورة منذ 11 فبراير حتى الآن ترجع إلى سبب رئيسى وهو رغبة العسكر فى وراثة حكم مبارك واختصار الثورة فى استبعاد الأسرة الحاكمة ومن يلوذ بها من الحلقة الضيقة المحيطة. وهذا يعنى استغفال شعب بأسره وثورة بأسرها وهذا شىء غير ممكن، لذا يؤدى إلى كل هذه التقلصات التى ترونها بين الفينة والأخرى دون مبرر مقنع وواضح. وإذا أنعمت النظر جيدا ستجد أن سلاسة تقدم الثورة التونسية نسبيا وتقدمها على المصرية يرجع أساسا إلى صغر حجم ووزن المؤسسة العسكرية وبالتالى قلة طموحاتها بصورة إجبارية، وقد حاولت فى البداية أن تنقض على الثورة بتلميع رئيس الأركان ولكن لم يفلح السيناريو والحمد لله، ولنلحظ أن عدد قوات الجيش التونسى 18 ألف وهو رقم هزيل بالمقارنة مع الجيش المصرى حتى مع مراعاة العدد الكلى للسكان. والمسألة ليست مجرد عدد وقوة تسليحية رغم أهمية ذلك فى القوة والسيطرة فالجيش المصرى أصبح مؤسسة كبرى من كثرة بقائه فى السلطة (60 عاما) حتى أصبح مؤسسة اقتصادية وعلمية وثقافية وتعليمية. والأهم من كل ذلك تاريخ الجيش المصرى عموما وتاريخه فى العقود الأخيرة فى مواجهة الخطر الصهيونى، وهذا ما أعطاه مكانة أدبية وسياسية بالغة الأهمية من الصعب أن يحصل عليها جيش فى بلد لا يتهدده أى خطر خارجى مباشر كتونس مثلا. ولكن من المؤسف أن يستخدم كبار الضباط بالمجلس العسكرى هذا التاريخ وتوظيفه فى غير محله من خلال البحث عن الهيمنة السياسية.. ومع الأسف فإن كبار المؤسسة العسكرية تشغلهم الهيمنة السياسية أكثر من انشغالهم بقضايا الوطن. وقد اعتادوا أن يعملوا تحت مظلة كامب ديفيد، ومفهومهم للوطنية ينحصر فى بعض المشكلات الفرعية مع أمريكا وإسرائيل، وهم يروجون فى الغرف المغلقة أنهم أعداء للحلف الصهيونى الأمريكى ولكنهم لا يتجرأون على إعلان ذلك رغم أن هذا ضرورى سياسيا، وهم يتعاملون مع الخلافات مع هذا الحلف المعادى بالقطعة، مع اعتياد التعامل مع إسرائيل وأمريكا من منطلق التخلص من التبعية لهما بالتدريج خلال مزيد من عشرات السنين، بعد ضياع 30 عاما من عمر الأمة فى ظل مبارك، هذا هو برنامج الوطنيين فى المؤسسة العسكرية، لذلك هم يفضلون التعاون مع عملاء أمريكا وإسرائيل ويفتحون أمامهم كل الآفاق الإعلامية والسياسية، ويحاربون حزبا كحزب العمل المعروف بمواقفه الحازمة من الحلف الصهيونى الأمريكى. والمؤسسة العسكرية ترى أن معركتها الآنية مع الثورة وليس مع أمريكا لأن الثورة هى التى تهدد سيطرتها السياسية. بل يبدو أن معركتها المزعومة مع أمريكا من أجل استقلال مصر مؤجلة دائما إلى أجل مسمى، وهو موقف أشبه بالرجل المدمن على التدخين أو غيره ويقول إنه سيقلع عن هذه العادة السيئة أول الأسبوع القادم، ولكنه لا يفعل منذ 30 عاما.
إذا راجعت محادثات كامب ديفيد ستجد أن كل مرافقى السادات من الخارجية والجيش كانوا مختلفين معه فى تساهله وتنازلاته، وكان الأمريكيون يرون ذلك حتى أنهم خشوا على حياة السادات وشددوا عليه الحراسة داخل المنتجع! ولكن استمر هؤلاء يعملون تحت إمرة السادات عدا إبراهيم كامل وزير الخارجية الذى استقال, وليس من المصادفة أنه كان مدنيا ومن السياسيين القدامى (الحزب الوطنى قبل 52). وتصور العسكريون أن كامب ديفيد مجرد حيلة للحصول على سيناء، وأنهم وافقوا فى نهاية الأمر بناء على ذلك. ولكننا لم نفقد سيادتنا على سيناء فحسب مقابل ذلك، بل فقدنا استقلال مصر.
إن كبار المؤسسة العسكرية “المتهمين” بالوطنية لم يختلفوا مع الفاسدين والعملاء ولم يستفيدوا من مناخ الثورة، وظل هاجسهم الرئيسى هو ضمان هيمنة وسيطرة العسكر على المشهد السياسى لا مواصلة تقويض أركان النظام السابق وإقامة دولة جديدة مستقلة. وهنا نأتى إلى أخطر وأدق تفاصيل المشهد الراهن الذى رأيناه فى موقعتى محمد محمود والقصر العينى. فالمؤسسة العسكرية ولا أقول المجلس العسكرى منقسمة إلى فريقين: فريق يريد استكمال الانتخابات بصورة طبيعية حتى وإن فاز فيها الإسلاميون, وفريق آخر يريد التهديد على الأقل بوقف الانتخابات ويحذر من خطورة تسليم السلطة للإسلاميين. ويتصارع الفريقان على السيطرة على توجهات المجلس العسكرى وبالتحديد طنطاوى وعنان. وقد كان للمؤسسة العسكرية أفراد على الجانبين المشتبكين، وسواء أكان ذلك بالاتفاق أو من خلال خلاف حقيقى بين فريقين عسكريين فالنتيجة واحدة: إظهار أن البلد تتهددها مخاطر أمنية خطيرة – تهديد استمرار العملية الانتخابية – تشويه صورة الثورة والثوار وفكرة الاعتصامات والمظاهرات طالما أنها ستؤدى إلى حرق المجمع العلمى ووزارة النقل وما يشبه ذلك – الإساءة للتيار الإسلامى بدعوى انشغاله بالانتخابات وترك المظاهرات رغم أن الهدف واحد وهو الخلاص من حكومة الجنزورى والحكم العسكرى ولكن عن طريق الانتخابات.
وتشير تقارير وشواهد واضحة إلى أن الانقسام العسكرى يعود إلى تضارب الاستشارات بين الجهازين الأساسيين: المخابرات العامة والمخابرات الحربية، حيث يبدو أن طنطاوى وعنان يميلان إلى الأخذ باقتراحات الثانى. وهذا يفسر لماذا تنتقل الحالة الأمنية فجأة من الاستقرار والهدوء النسبى إلى العودة مرة أخرى إلى نقطة الصفر. ويبدو أن أجهزة الداخلية حائرة بين هذا التضارب العسكرى بعد أن فقدت صلابتها وقدرتها على المبادرة!!
ولكن الأهم من كل ذلك أن أى اختلاف فى المؤسسة العسكرية لا يمس توحدها على النقاط الرئيسية: الاستمرار فى الضغط من أجل تجسيد الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية أو فى الحد الأدنى ضمان عدم تدخل المؤسسات الدستورية فى شئون الدولة العسكرية باعتبارها دولة داخل الدولة (المادة 9 و10 فى وثيقة السلمى)، الحفاظ على نفس مستوى العلاقات مع أمريكا وإسرائيل، ضمان صياغة الدستور بما يضمن عدم جدية المرجعية الإسلامية، ضوابط عسكرية للحياة الديمقراطية، رئيس الجمهورية لابد أن يكون عسكريا فإذا لم يتيسر يكون مدنيا طائعا ومبرمجا لها.
ستظل المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية بجسدها من الضباط والجنود وليس بقشرتها العلوية الفاسدة فى أغلب الأحوال، والمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تكون أسوأ من الفلول وعملاء الخارج، ولكنها الخطر الرئيسى لأنها هى التى تحتل السلطة وهى التى تعطى الحياة بتخاذلها للفلول وللعملاء على السواء، وهى التى تعطل تسليم السلطة وكلما اقتربت من تسليمها كلما كشفت عن شروطها المرفوضة لهذا التسليم (وثيقة السلمى).
كذلك فنحن لسنا أمام جيش حرب الاستنزاف والعبور, بل أمام جيش تعرض 30 سنة للفساد والإفساد, وليست عمولات السلاح إلا رمزا لهذه الحقبة, وهى الجريمة التى لا يحاكم عنها مبارك لأنه ليس وحيدا فيها! وليس أمامنا سوى سبيلين: المطالبة بتطهير الجيش، أو فتح صفحة جديدة وعلى عقلاء القوات المسلحة أن يختاروا أحدهما.
ومفتاح الحل فى فتح صفحة جديدة هو الإسراع بتسليم السلطة للمدنيين بدون شروط غير قانونية وغير دستورية. واقترحنا وما نزال نلح بأن يقوم مجلس الشعب بتشكيل حكومة ائتلاف وطنى من القوى الممثلة داخل المجلس، وتقوم هذه الحكومة باستلام السلطة من المجلس العسكرى وتتولى هى متابعة جدول إعادة بناء المؤسسات كما وردت فى الاستفتاء: انتخابات الشورى، الجمعية التأسيسية، الدستور، انتخابات رئيس الجمهورية. ويكون لرئيس الوزراء حتى استكمال هذا البرنامج صلاحيات رئيس الجمهورية (لاحظ أن المجلس العسكرى يدعى أنه أعطى صلاحيات رئيس الجمهورية للجنزورى!). ويتقلص دور المجلس العسكرى إلى الشئون الأمنية بالتعاون مع وزارة الداخلية، مع العودة التدريجية لمهمته الأصلية داخل الثكنات وعلى الحدود.
إن استمرار الحكم العسكرى الانتقالى لمدة 6 شهور أخرى خطر داهم على البلاد، ليس لسوء وتضارب قيادته للبلاد وفشله فيها فحسب, بل أساسا بسبب تواصل أطماعه فى السيطرة على نظام الحكم القادم، ويمكن ملاحظة ذلك من جدول أعمال المجلس الاستشارى غير الشرعى والمستمر فى عمله رغم استقالة ثلث أعضائه. ففى جدول أعمال هذا المجلس الاستشارى الكسيح: ضوابط اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية، أى أنهم لا يريدون أن يتركوا أى شىء للبرلمان المنتخب، إذن لماذا انتخبنا هذا البرلمان الذى لا يختار حكومة ولا يحاسبها ولا يسحب الثقة منها ولا من أى وزير؟ بل قالوا أيضا أنه لن يقوم بالتشريع!!
ولكن تبقى الأهمية العظمى لتسليم السلطة فى شهر يناير القادم لحكومة مدنية منتخبة ضرورة وطنية للحفاظ على العلاقة الصحية بين الشعب والجيش، وإلا سيتحمل المجلس العسكرى المسئولية التاريخية عن تدمير هذه العلاقة، واعلموا أن الشعب لا يهاب الجيش ولكن يحبه ويحترمه، فإذا صممتم على مواصلة استخدام الجيش فى قمع الشعب فإن الشعب لن يتراجع وسيقاوم الجيش، وأنتم الذين حولتم محاكمة مبارك إلى مهزلة ستتعرضون للمحاكمة معه.
اللهم بلغت اللهم فاشهد
مجدى أحمد حسين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s