عن المجتمع المدني والتمويل الأجنبي‏:‏ الإبداع في الفشل‏!‏



بقلم: د:أسامة الغزالى حرب
أعتقد أنه لا توجد قضية أو مسألة عامة تعكس حالة الفشل والإرتباك في إدارة شئون الدولة المصرية هذه الأيام‏,‏ أكثر من قضية ما يعرف بـ‏’‏ التمويل الأجنبي‏’‏ لمنظمات المجتع المدني‏,
والتي تفجرت إعلاميا بالذات مع خروج’ المتهمين’ الأمريكيين من مصر أول مارس الماضي, مثل خروج الشعرة من العجين كما يقول المثل الشائع, بعد تصريحات عنترية مصرية بالطريق المألوفة.
ثم كانت آخر مشاهد هذا المسلسل هي احتجاج النواب في مجلس الشعب, حول الموضوع برمته يوم الأثنين الماضي وادانتهم لأمريكا, وتوعدهم للمسئولين المصريين المتورطين, إلي حد التلويح بتهديدات بدءا من رفض المعونة الأمريكية إلي سحب الثقة من الحكومة المصرية! غير أن الأسوأ من هذا كله هو التشوية الهائل لعديد من القضايا والحقائق أمام الرأي العام المصري, وتصدير أفكار وانطباعات مزيفة ومشوشة إليه, لا تمت إلي جوهر القضية بأي صلة.
ولأن الموضوع معقد ومتشابك, فإنني سأحاول أن أعرضه بإيجاز وبساطة أمام القارئ, ليدرك كم الخيبة والتخبط التي عولجت بها هذه القضية المهمة!
أولا- وبكل وضوح وبساطة, وبدون لف أو دوران, فإن أصل القضية هو ضيق وتململ السلطة الحاكمة اليوم في مصر, أي: المجلس الأعلي للقوات المسلحة, من بيانات وأنشطة الجمعيات الحقوقية المصرية التي تمثل مكونا أصيلا للمجتمع المدني المصري- وكذلك بعض الجماعات السياسية النشيطة, لأن تلك الجمعيات والحركات كانت تنتقد بشدة أداء المجلس العسكري وتندد بطريقة تعامله مع الثوار والمتظاهرين!
ثانيا- في مواجهة هذه المنظمات والأنشطة كان المجلس العسكري, سواء بشكل مباشر أو من خلال أدواته الإعلامية, يتهم هذه المنظمات بأنها منظمات غير وطنية, مرتبطة بجهات أجنبية وتتلقي تمويلا من الخارج… إلخ, وهي نفس الأسطوانة للأسف- التي يكررها أي نظام لاديمقراطي في مواجهة القوي الشعبية والمعارضة الإحتجاجية ضده! (كان هذا هو ما يقال في ظل حكم مبارك, وما كان يقوله نظام بن علي إزاء معارضيه, والقذافي إزاء القوي المناوئه له, وما قاله أخيرا علي عبدالله صالح ضد مناوئيه, وهو أيضا ما يقوله نظام الأسد اليوم حتي وهو يقتل أمام العالم كله مواطنيه بفجور ووحشية!).
ثالثا- بعد أن ضاقت السلطة الحاكمة ذرعا’ بتجاوزات’ تلك المنظمات, وبعد أن جهزت الرأي العام طويلا لفكرة أن تلك الجمعيات تتلقي تمويلا ودعما أجنبيا, قررت أن تباغت بعض تلك الجمعيات والمنظمات بالهجوم, بحجة أنها غير’ مسجلة’ رسميا وأنها تتلقي تمويلا غير مشروع! غير أن ما ينبغي أن يعرفه الرأي العام أن كثيرا من تلك المنظمات أو الجمعيات, كانت تقدم طلباتها للتسجيل ولكن الحكومة (حكومة مبارك) كانت تمتنع عن تسجيلها, وفي الوقت نفسه فإن القانون الذي يحكم عملها, يعطيها الشرعية التلقائية, إذا لم تتم لاستجابة لطلب تسجيلها بعد فترة معينة! أما تمويل تلك الجمعيات كما هو الحال دائما في مصر وفي كل بلدان الدنيا- فإنه يعتمد في أغلبه علي التبرعات والهبات من مصر ومن الخارج, بشرط أن تكون تلك التبرعات علنية وشفافة, وخاضعة لرقابة الأجهزة الحكومية المعنية!
رابعا- بناء عليه وصبيحة يوم 29 ديسمبر الماضي, ووفقا لخطة مدبرة محكمة, أقتحمت قوات من الشرطة والجيش وفريق من النيابة العامة مقار سبعة عشرة منظمة في القاهرة والجيزة’ بحثا عن مستندات في قضية التمويل الأجنبي’! وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك التصرف رد فعل هائل دوليا, ورأت فيه الصحف الكبري في العالم عودة لسياسات مبارك. ومثلما قالت’ الاندبندت’ البريطانية في30 ديسمبر الماضي فإن مداهمة مقار المنظمات هو جزء من حملة متصاعدة من قبل الحكومة العسكرية لسحق الجماعات المتورطة في الحركة المؤيدة للديمقراطية’ وأن الجيش يريد الاحتفاظ بالسلطة وامتيازاتها ومواصلة اعتقال وتعذيب المواطنين!’.
خامسا- استخدم المجلس العسكري لتدبير وتبرير هجمته علي تلك المنظمات الوزيرة السيدة فايزة أبو النجا, التي تمثل جزءا لا يتجزأ من النظام القديم, والتي قدمت التبرير’ السياسي’ للهجمة علي تلك المنظمات بأنها’ غير مسجلة’ أو أنها تتلقي تمويلا أجنبيا غير مشروع.. علما بأنه كان يمكن مثلا- التنبيه علي تلك الجمعيات والمنظمات بتسجيل نفسها رسميا خلال فترة معينة, يحق للدولة بعدها إغلاقها أو طردها خارج البلاد إذا كانت غير مصرية!, كما حددت الحكومة أيضا- وبتوجيه من المجلس العسكري- قضاة معينين للتحقيق في القضية التي تمت صياغتها وحبكتها بنفس الطريقة القديمة لنظام مبارك!
سادسا- كان يمكن أن تمر تلك القضية, وتتم الإطاحة بمنظمات المجتمع المدني المصرية, والتنكيل بالقانون- لجمعيات حقوق الإنسان, ولقوي وحركات سياسية معارضة, تسبب ازعاجا للسلطات, لولا أن بعض هذه المنظمات هي منظمات أجنبية (أمريكية أو من جنسيات أخري) كانت تعمل في مصر, وفقا لنفس القواعد التي تحكم عمل الجمعيات المصرية!
سابعا- لان الحكومة الأمريكية حكومة تعمل في إطار نظام ديمقراطي يعرضها للمحاسبة العسيرة علي أي تقصير أزاء مواطنيها, ولأنها أيضا حكومة دولة عظمي تتسم بالغطرسة والإحساس بالقوة المفرطة في مواجهة الآخرين, فإنها تحركت بسرعة لحماية ليس فقط مواطنيها وإنما جميع الجنسيات الأخري التي شملتهم قضية التمويل الأجنبي. وبالفعل وصل إلي القاهرة يوم20 فبراير الماضي السيناتور الجمهوري جون ماكين (وهو سياسي أمريكي محافظ ومخضرم, سبق له الترشح للرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري عام 2008, وهو في الأساس رجل عسكري وكان طيارا في حرب فيتنام, وكان من أبرز مؤيدي الحرب علي العراق).. لحل المشكلة!
ثامنا- بمجرد وصوله للقاهرة, التقي السيناتور ماكين بجميع الأطراف التي يمكن أن تسهم في حل المشكلة أي: المجلس الأعلي للقوات المسلحة (الذي يعرف أعضاءه مسبقا بصفتهم العسكرية) وبممثلي الحزب صاحب الأغلبية في البرلمان, أي الحرية والعدالة( الإخوان المسلمين) وتم ترتيب الصفقة علي نحو محكم للغاية! وبالطبع فقد حرص الأمريكيون علي أن تتم العملية وفق كل الاجراءات’ القانونية السليمة’. فعهد إلي قضاة محددين بتولي القضية, وإخراجها علي النحو المطلوب, ونظرت القضية علي وجه السرعة, وتم رفع القيد عن سفر’ المتهمين’ الأجانب بكفالة 300 ألف جنيه لكل منهم (16 متهما), باجمالي 4.8 مليون جنيه.
تاسعا- في يوم الخميس الأول من هذا الشهر( مارس) وصلت طائرة أمريكية خاصة( مدنية حكومية) وليست عسكرية, إلي مطار القاهرة استقلها’ المتهمون’ المفرج عنهم بالكفالة, بعد أن مروا في المطار بكل إجراءات الخروج العادية لأي مسافر.
عاشرا- بعد أن أنهي السيد ماكين مهمته بنجاح فائق, والتي قابل خلالها رئيس مجلس الشعب وعددا من النواب المنتخبين وقادة الإخوان المسلمين, فضلا بالطبع عن المشير طنطاوي.. أشاد ببيان الإخوان الذي صدر في 20 فبراير, كما جدد شكره لبعض النواب خاصة النائب محمد أنور السادات. ولكنه أبدي قلقه وتعاطفه مع أعضاء منظمات المجتمع المدني من المصريين المتهمين في القضية التي لاتزال بالطبع معروضة أمام القضاء!
وأخيرا يتبقي مشهدان يثيران الإشمئزاز والاستغراب:
– المشهد الذي يثير الإشمئزاز هو مشهد السيدة الوزيرة فايزة أبو النجا, ليس فقط لموقفها المؤسف في القضية برمتها, وليس للمقال الهزيل الذي كتبته في صحيفة واشنطن بوست يوم 10 مارس تبرر فيه الهجمة علي منظمات المجتمع المدني, وإنما للمقال الذي كتبه’ دافيد كرامر’ في الصحيفة نفسها يوم 12 مارس ردا عليها, يذكرها بوقائع أساسية تجاهلتها أو أساءت تقديمها. وللأسف فإن الكاتب- وهو كالعادة متعاطف مع إسرائيل-‘ اصطاد’ للسيدة أبو النجا العديد من السقطات والوقائع غير الصحيحة في مقالها, فهو لا يعلم أن كثيرا من المسئولين المصريين تعودوا علي أن يستأسدوا علي الأمريكيين في خطبهم وكلماتهم في الغرف المغلقة, ثم يقولون أو يكتبون كلاما مختلفا في العلن! غير أن الأهم هو تأكيده عكس ما جاء في مقال الوزيرة- علي نقاط محددة, وهي أن الوزيرة كانت هي التي شنت الهجوم علي منظمات المجتمع المدني المصرية, وأن المنظمات الأجنبية كانت تعمل وفقا للقانون المصري- وأن رفض تسجيل العديد منها كان يأتي من السلطات المصرية, وتهكم الكاتب علي قول أبو النجا إن ما حدث كان عملية’ تفتيش’, قائلا أنه كان هجوما تم بطريقة لا تتسق مع مجتمع يحكمه القانون, وينطوي علي مخاطر حقيقية إزاء حرية المجتمع المدني… إلخ, غير أن المثير هنا هو تعليق الكاتب علي قول الوزيرة في مقالها’ إن مصر الثورة لن تكون أبدا مثلما كانت قبلها’ بقوله:’ مع تقديري لتلك المشاعر, إلا أنه من الغريب أن تصدر من مسئولة قضت عشر سنوات في حكومة مبارك اللاشرعية’!
– أما المشهد الذي يثير الاستغراب, فهو مشهد عشرات النواب الغاضبين في مجلس الشعب, والمطالبين بسحب الثقة من حكومة الجنزوري بسبب قضية التمويل الأجنبي! الأمر الذي يقطع بأنهم للأسف- كانوا غائبين تماما عن كل تطورات القضية وأسرارها. ولذلك لم يكن غريبا أن تم’ إحتواء’ الأزمة والتخلي عن فكرة’ سحب الثقة’ بهدوء’ بعد أن تمت اتصالات بين البرلمان, والحكومة, والعسكري’! كما قالت صحف أمس في عناوينها الرئيسية!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s